مقطع من مسرحية الحياة
أجمل قصصي وثاني أجمل الخواطر التي أكتبها,,,
مقطع من مسرحية الحياة
ومر من الدهر سنتان جميلتان عاش فيها الطفل أروع لحظات عمره مع محبوبته الحسناء, فهما بين زهور جميلة يستنشقان من عطرها, أو سطور بسيطة يتناجيان بهمسها, أو ابتسامات بريئة يتبادلان شذاها, ولو رأيته من بعيد لقلت بأنه الجنون عينه لولا أنه طفل لم يبلغ سن الحلم والرشاد, فقلت عنه خيال الأطفال ما يلبث إلا أن يزول.
ولكن ما العيب في ذلك الجنون أو -خيال الأطفال-, أليس هو خير من أن ينشأ ذلك الطفل على الحقيقة الشوهاء, قد كان الطفل نفسه يربي نفسه, وبنفسه وضع قوانينه التي أراد بها أن يسير في الحياة, وقد أوفى الطفل بقوانينه والتي كان أولها ما يتعلق بعشيقته الخيالية والتي هي أشد حقيقة من ذات الحياة, فلما كبر استطاع -بقوانينه- أن يكون الشخص الأكثر شهرة في حارته بالخجل والحياء, فأجزلوا في شكر والديه على حسن التربية, وما كان حياؤه نتيجة تربية, ولكن نتيجة انطواء عن الحقيقة الشوهاء, أفليس خياله أحق حقيقة من الحياة؟
كما أن الصخرة تسقط عليها العواصف والمياه فلا تغير من معالم وجهها شيء, حتى إن سقطت العواصف نسمة نسمة, وسقطت المياه غدقة غدقة استطعن حفر سطحها, بل والوصول إلى صميم جوفها يفعلن به ما شئن, كذلك القلب الإنساني إن آمن بفكرة لا تستطيع إجباره على تغيير معالمها إن أسقطت عليه الآراء والحجج دفعة واحدة, لكن الحياة بطولها وصبرها هي وحدها الكفيلة بإقناعه بخطأ الفكرة وإرشاده إلى الصواب.
أنا لا أتّهم فكرة طفلنا بالخطأ أبدا قدر اتهامي الحياة نفسها بالكذب والإحتيال, ففكرته صواب الصواب, إنما جعلت منه الحياة فتا أقل كرها ومقتا للفتيات, فعاش بينهن بين صديق وغريب, متمسكا بحب معشوقته الحسناء في صميم قلبه الذي لم تصل إليه نسمات الرياح ولا قطرات الشتاء حتى الآن.
ودام ذلك طويلا حتى التقاها, هي من يموج مشاعره بلفظها, هي "حب الحياة", كانت تلك الفتاة ثاني حبيبة له من بعد الحسناء, أحبها من أعماق قلبه حبا لم يمنحه لعشيقته الحسناء, كانت تلك اللحظة في نظره تغيرا في الحياة, وكانت في نظر الحياة باب التعاسة والشقاء.
كأي عشيق في الدنيا, أحس الطفل بأن حبه هو عماد حياته الذي يضيء له الدرب فيها, ورأى أمامه مستقبلا مبشرا بزوج جميل وفتاة جميلة يرى فيها أمها هما نور الحياة, فنظم في مستقبله النثر والأشعار كأنما يعتقد أن الحروف تتحول إلى حقيقة مع مرور الزمان, ولم يكن ذلك ليتحقق له أبدا, ولا حتى في الأحلام.
لم يحبها لأنها ذات حسن وبهاء, ولم يحبها لأنها ذات حسب ونسب, ولم يحبها لأنها ذات طارف وتليد من المال, ولم يحبها لأنها تشبه معشوقته في صباه أو لأنها تختلف عن باقي الفتيات والنساء, بل أحبها لسبب واحد فقط, سبب واحد لا سبب يناطحه جعله يحبها, أحبها فقط لأنه وجد فيها الحياة, فبينما نظر غيره إلى عيونها ليجدوا فيها بريقا معميا من البهاء والجمال, كان هو يرقيي بنظره إلى ما وراء عينيها فيرى روحا كثيرا ما تكلم عنها في خواطره ومذكراته, وكثيرا ما كان يسميها بإسم كثر استعماله في كتب الغرام, وما خواطره ولا مذكراته بكتب للغرام, ولكن حقيقة والتزام, كانت "توأم روحه"؛ أي الروح التي تكملك في الحياة, تريان بعين واحدة, وتسمعان بأذن واحدة, وتسيران الطريق بقدم واحدة, فإن اختلفتما في يوم من الأيام على شيء ما, مايلبث الدهر إلا جامعا لكما تحت شعار الحب اللامحدود, تحت شعار -توأم الروح-.
وخاف الفتى على حبه الجديد من التحريف والضياع كما حدث بحبه السابق, فعكف الصلوات في المساجد والدعاء, حتى ألهمه إله الحب في أحد مجالس الذكر إلى علاج قامع لذلك الداء.
تحدثوا يوما في جامع حارتهم عن -تجديد الإيمان-, قالوا بأن الإيمان في قلب الإنسان مهما عظَم إيمانه فإنه لا محالة في تناقص وانكماش, يقل مع مرور الزمان وتقل ريحه في قلب الإنسان, وقد علّم رسول الله عليه الصلاة والسلام أصحابه طريقة أطلقوا عليها -تجديد الإيمان-, ففكر الغلام في نفسه وقال:-"لم لا أجدد حبي لها باستمرار كما يتجدد الإيمان في قلبي, والحب والإيمان مسكنهما واحد, كلاهما جاران متحابان في القلب, فإن تجدد الإيمان في القلب, فلا بد من ذلك للحب.
وكذلك فعل ذلك الغلام, فلم يذكر عنه يوما أنه أحب غير تلك الفتاة, حتى مضى على حبه لها ثلاث سنين وبعض أيام من الرابعة كُنَّ كفيلات بأن يكون له فيها بعض دفاتر الهيام.
وفي يوم من الأيام, خلا الطفل بنفسه مع أوراقه الثلاث وأخذ يراجع حياتها منذ أحبها حتى الآن؛ لقد اكتشف الفتى اكتشافا غفل عنه ثلاثة أعوام, لقد اكتشف الفتى أنه خسر ثلاث سنين من عمره في حبها, ثلاث سنين لم يفعل الفتى فيها شيء سوى أن يحبها, خسر الفتى من حياته ثلاث سنين, ثلاث سنين لم يفعل الفتى فيها شيء أبدا, يتحرك الزمن من حوله ثلاث سنين والزمن فيه جامد جمود الأصنام لا حراك فيه.
حبّاه, أقسم لك أني ما أحببت غيرك إلا فتاةً كانت لي بمثابة الصديق الذي أعتمد عليه أقرب منها بمثابة الحبيب الذي تعتمد حياتي على وجوده في الحياة, وأقسم لك أني ما خنتك وما أخون حبك وأنا على قيد الحياة أو الممات.
حبّاه, يقولون أن الضربة التي لا تميتك تقويك, لكن ضربتك سحقت قلبي سحقا, ولم يبق فيه إلا حشاشة الروح التي تنتظر ملك الموت ليأخذها في نزهة إلى الحياة الأخرى قبل أن يأخذها لتلقى رب العباد.
حبّاه, إن الحشاشة التي في قلبي لن تحتمل أقل ضربات الحياة أملا وألما, وما أحسب جروحها قادرة على الإلتئام ببعض الدواء والغذاء والماء, ولكن تحتاج زمنا طويلا لترتشف مجددا الهواء, هواء حبك وغرامك وشوقك.